|
دول قد تفيد في حل معضلات واشنطن ... لكن قطعاً ليس
في العراق
سامي شورش الحياة - 08/12/06//
يصعب التصور، على الأقل عند العراقيين، أن الدول
الإقليمية المحيطة ببلادهم، خصوصاً إيران وسورية، بل حتى تركيا، تمتلك
مقومات تكفل لها تقديم مساعدات ذات فائدة للأميركيين في ما يخص معالجة
الوضع الأمني المتردي وإعادة الاستقرار الى العراق. وفي حال اعتقدت
أي من اللجان والهيئات والأوساط الأميركية، بما فيها اللجنة الأخيرة
التي يرأسها وزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر والنائب الديموقراطي
السابق لي هاملتون، أن هذه المساعدة ممكنة أو ضرورية على طريق إنقاذ
الولايات المتحدة من مأزقها العراقي، فإنها تكون قد ارتكبت خطأ كبيراً.
فهذه الدول التي تمتلك تعقيدات إقليمية، وامتدادات سكانية داخل العراق،
ومصالح متعارضة وأطماعاً سياسية في بغداد، وترى أن جزءاً استراتيجياً
من مصالحها وأمنها يكمن في تعكير الاستقرار الأمني العراقي والإخلال
بالموازين الأمنية في المنطقة، لا يمكن أن تساعد في إيجاد حل للمعضلة
العراقية في وقت تشكل فيه هي نفسها جزءاً من المشكلة سواء في العراق
أو في المنطقة برمتها.
صحيح ان الداخل العراقي يختزن مقومات تاريخية ومذهبية
قادرة على تهييج عوامل الانفجار والصراعات في نسيجه. وصحيح أن الدولة
العراقية الحديثة التي تأسست في أعقاب الحرب العالمية الأولى، قامت
في الأصل على أساس قانوني غير صحيح خصوصاً لجهة موازينها القومية والطائفية.
وصحيح أيضاً أن الأنظمة العراقية المتعاقبة أسهمت في شكل مباشر في
تعميق الهوة الطائفية والقومية بين التكوينات المنضوية في كيان دولتها.
لكن مع هذا، يظل الأصح أن الدول المجاورة التي يأمل بيكر وهاملتون
بمساعدتها، لعبت، ولا تزال تلعب دوراً غير قليل في زعزعة الداخل العراقي.
في الوضع الراهن، يشير أكثر من مراقب للشأن العراقي
الى المقدار المتزايد لتدخلات الدول الإقليمية في الشأن العراقي خصوصاً
لجهة ضخ المقاتلين الأجانب وإمداد الميليشيات بالأسلحة والمعدات التخريبية.
بل ان بعض المراقبين العراقيين لا يستبعد وجود تنسيق أمني خفي بين
طهران ودمشق لدعم الجماعات الراعية للعنف الطائفي: إيران لدعم الجماعات
الشيعية في جنوب العراق، وسورية لدعم الجماعات السنية في غرب العراق
ووسطه. والهدف في الحالين، ليس تعزيز قوة العراق أو تمكينه من مقاومة
المحتلين، أو تعزيز طائفة على أخرى. بل الهدف هو إضعاف البنيان الأساسي
للمجتمع العراقي وسحق مكانته على الساحة العربية والإقليمية والإسلامية
أولاً، وإلحاق الفشل بالجهود الأميركية والدولية الرامية الى تهدئة
الوضع العراقي ثانياً.
في المنحى ذاته، يخطئ من يعتقد أن ما يوصف بتدخلات
سورية وإيران في الشؤون الداخلية العراقية هدفها مصلحة الدولتين في
تأسيس دولة عراقية: شيعية بالنسبة الى طهران وعروبوية بعثية بالنسبة
الى دمشق. فالمصلحة الاستراتيجية لطهران ظلت على الدوام تقوم على إيجاد
دولة عراقية ضعيفة في بنيانها وقوتها واستقرارها حتى في حال كانت هذه
الدولة شيعية في نظامها وتكوينها الدستوري والسياسي. كما أن مصلحة
سورية، في المقابل، ظلت تقوم على إيجاد دولة عراقية ضعيفة.
الأكيد أن الولايات المتحدة ستخطو خطوة مهمة الى
الأمام في حال قررت التوجه نحو أساليب الحوار والتوافقات السياسية
والديبلوماسية مع كل من إيران وسورية. فالمنطقة لم تعد تحتمل حروباً
وصراعات إضافية. لكن المهم أن تركز واشنطن في هذا الخصوص على حلول
توافقية مع الدولتين في شؤون ملتهبة أخرى مثل البرنامج النووي الإيراني
والتدخلات السورية في الشأن اللبناني. أما في ما يخص الوضع العراقي،
فالأصوب أن تنتبه إدارة الرئيس جورج بوش الى المخاطر المترتبة على
زج القضية العراقية في دوامة الوضع الإقليمي المعقد. وتنتبه الى ما
يمكن أن تعنيه (مساعدة أميركا في العراق) من معان وتأثيرات في مسار
الحالة الأمنية في المنطقة برمتها.
منتهى القول إن الولايات المتحدة التي تنظر الى العالم
من زاوية المنافع، قد تستطيع إيجاد قناة للتفاهم مع الإيرانيين والسوريين
حول العراق. كما أن إيران قد تفيد الولايات المتحدة وحلف شمالي الأطلسي
في إعادة الاستقرار الى أفغانستان. كذلك سورية قد تفيد في درء مخاطر
الحرب الأهلية عن لبنان. أما تركيا فإنها قد تفيد في حل المشكلة القبرصية،
لكن الأكيد أن أياً من الدول الثلاث لن تفيد في مساعدة الأميركيين
أو العراقيين على ترتيب الأوضاع في العراق أو إعادة الاستقرار اليه.
بل ان المساعدات التي يمكن لهذه الدول أن تقدمها للعراقيين قد لا تزيد
النار الداخلية العراقية إلا اضطراماً. هذا، سترتكب الولايات المتحدة
خطأ جسيماً إذا أخذت باقتراح بيكر – هاملتون وتطلعت الى مساعدات دول
مثل إيران وسورية أو حتى تركيا في حل معضلتها في العراق.
|